أحمد بن محمد ابن عربشاه
60
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما رأى الجدى الذيب علم أنه أصيب بيوم عصيب ، وظفر منه بأوفر نصيب ، فتدارك نفسه بنفسه واستحضر حيلة جأشه وحدسه « 1 » ، ومكره بما أضمره في نفسه ، وعلم أنه لا ينجيه من هذه الورطة الوبيلة ؛ إلا مغيث الخداع والحيلة ، وأذكّر الخاطر ما قال الشاعر : ولكن أخو الحزم الّذى ليس نازلا * به الحطب إلّا وهو بالقصد يبصر فتقدم بجأش صليب « 2 » ، وقبل الأرض بين يدي الذيب ، وقال : محبك الراعي لجنابك داعى ، يسلم عليك وقد أرسلني إليك ، يشكر صداقتك وشفقتك وحشمتك ومرافقتك ، ويقول : قد تركت بحسن آدابك عادة أجدادك وآبائك ، فلم تتعرض لمواشيه وحفظت بنظرك حواشيه « 3 » ، وقد حصل لضعافها الشبع وأمست بجوارك آمنة من الجوع والفزع ، وحصل لها الأمن من الجزع فالله يجعل جوارك وغياضك أحسن مجتمع ؛ لأن عجاف ماشيته « 4 » شبعت ورويت واستنعشت وقويت ، فأراد مكافأتك ، وتطلب مصافاتك ومصادقتك ، فأرسلني إليك لتأكلنى وأوصاني أن أطربك بما أغنى ، فإني حسن الصوت في الغناء ، وصوتي يزيد في شهوة الغذاء ، فإن اقتضى رأيك الأسعد غنيتك غناء ينسى أبا إسحاق « 5 » ومعبد « 6 » ، وهو شيء لم يظفر به أباؤك ولا أجدادك ، ولا يناله أعقابك وأولادك ، يقوى كرمك وشهوتك وقرمك « 7 » ويطيب مأكلك ويسنى
--> ( 1 ) التخمين والظن . ( 2 ) الثبات . ( 3 ) خواصه . ( 4 ) الضعيف منها . ( 5 ) أبو إسحاق ، إبراهيم بن ميمون الموصلي : من أشهر موسيقى العرب ، برع في الغناء والعزف على العود ، نادم المهدى والهادي الرشيد وعرف بالنديم ت [ 742 : 804 م ] . ( 6 ) معبد ، أشهر مغنى في العصر الأموي ، نشأ بالمدينة وارتحل إلى الشام ، واتصل بكثير من أمراء بنى أمية توفى سنة ( 743 م ) . ( 7 ) العض .